فخر الدين الرازي

180

تفسير الرازي

بهذه الأمور الثلاثة ، فإنه تعالى عالم بكونهم محسنين في تلك الأعمال ، وأنه تعالى يثني عليهم بكلامه وأنه تعالى يعاملهم بمعاملات دالة على كونهم معظمين عند الله تعالى ، وإذا كان مجموع هذه الثلاثة حاصلاً كانوا مشكورين على طاعاتهم من قبل الله تعالى ، ورأيت في كتب المعتزلة أن جعفر بن حرب حضر عنده واحد من أهل السنة وقال : الدليل على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى أنا نشكر الله على الإيمان ، ولو لم يكن الإيمان حاصلاً بإيجاده لامتنع أن نشكره عليه ، لأن مدح الإنسان وشكره على ما ليس من عمله قبيح . قال الله تعالى : * ( ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) * ( آل عمران : 188 ) فعجز الحاضرون عن الجواب ، فدخل ثمامة بن الأشرس وقال : إنما نمدح الله تعالى ونشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل . وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل ، والله تعالى يشكرنا على فعل الإيمان . قال تعالى : * ( فأولئك كان سعيهم مشكوراً ) * قال فضحك جعفر بن حرب وقال : صعب المسألة فسهلت . واعلم أن قولنا : مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل كلام واضح ، لأنه تعالى هو الذي أعطى الموجب التام لحصول الإيمان فكان هو المستحق للشكر ، ولما حصل الإيمان للعبد وكان الإيمان موجباً للسعادة التامة صار العبد أيضاً مشكوراً ولا منافاة بين الأمرين . المسألة الثانية : اعلم أن كل من أتى بفعل فإما أن يقصد بذلك الفعل تحصيل خيرات الدنيا ، أو تحصيل خيرات الآخرة ، أو يقصد به مجموعهما ، أو لم يقصد به واحداً منهما ، هذا هو التقسيم الصحيح ، أما إن قصد به تحصيل الدنيا فقط أو تحصيل الآخرة فقط ، فالله تعالى ذكر حكم هذين القسمين في هذه الآية . أما القسم الثالث : فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام ، لأنه إما أن يكون طلب الآخرة راجحاً أو مرجوحاً ، أو يكون الطلبان متعادلين . أما القسم الأول : وهو أن يكون طلب الآخرة راجحاً ، فهل يكون هذا العمل مقبولاً عند الله تعالى فيه بحث ، يحتمل أن يقال : إنه غير مقبول لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن رب العزة أنه قال : " أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشريكه " وأيضاً فطلب رضوان الله إما أن يقال : إنه كان سبباً مستقلاً بكونه باعثاً على ذلك الفعل أو داعياً إليه ، وإما أن يقال : ما كان كذلك ، فإن كان الأول امتنع أن يكون لغيره مدخل في ذلك البعث والدعاء ، لأن الحكم إذا حصل مسنداً إلى سبب تام كامل امتنع أن يكون لغيره مدخل فيه ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون الحامل على ذلك الفعل والداعي إليه ذلك المجموع ، وذلك المجموع ليس هو طلب رضوان الله تعالى ، لأن المجموع الحاصل من الشيء ومن غيره يجب كونه مغايراً لكل